حل عام جديد، وانهى العالم مراسم استقباله بالزينة والاحتفالات وببدايات جديدة. ومن العادات الشائعة التي تتخلل مراسم الاحتفال والتي يتباناها العديد حول العالم هي ” قرارات السنة الجديدة”، وهي مجموعه من الوعود أو القرارات التي يعِد الفرد نفسه أن يقوم بها مع قدوم العام الجديد من أجل تحقيق عاماً أفضل وأجمل من الذي مضى. ففي البدايات نجد الأمل و فرص التغيير، فلكلٍ قصة ورحلة يحاول ان يغير مجراها لتحقيق سعادته وأحلامه. فهناك من يكتب أهدافه كرسالة لنفسه وهناك من يشارك الجميع قراراته من خلال وسائل التواصل الإجتماعي كالانستغرام وغيره، ولكن في الواقع أظهرت دراسة من جامعة سكرنتون انه بشكل عام 8% من الافراد يلتزم بقرار السنة الجديدة ويحقق هدفه و 80-92% يفشل او يستسلم بحلول شهر فبراير. لذلك إن كنت مستعدا بأن تستقبل العام الجديد بلائحة من القرارات، على الأغلب انك ستكون من ال80%.
اذا سببت لك هذه النسبة الشعور بالاحباط، فليس الهدف ذلك إطلاقاً ، ولكنها سبب يجعلك تتمعن في قرارات ووعود العام السابق وماقبله، فكم و كم من القرارات التي اتخذتها قد أنجزت أو التزمت بها؟ وكيف ستكون هذه السنة مختلفة عما سبقها؟ لفهم هذه الظاهرة وإيجاد طرق للتغلب عليها سنقوم بمدارسة الفكرة من جذورها وبناءً عليه سنرسم طريق النجاح.
في البداية، يقوم العديد بربط قرارت التغيير بموعد مناسبة معينه كالعام الجديد أو شهر رمضان أو بداية الإسبوع القادم أو أية مناسبة أخرى لها وقت وتاريخ محدد. وسبب ذلك، المتعة عند اختيار اليوم الذي سيغير مجرى حياتك وإن تحديد تاريخ يمنح شعور بالإنضباط والإلتزام، وبالنسبة لك هو اليوم الذي سيفصل بين الماضي والمستقبل، وفي كل الأحوال سيكون يوم مختلف ومميزعن أي يوم آخر. وهنا سنختار مثال السنة الجديدة كمناسبة للتغيير في هذا المقال. عند البحث عن ما هي قرارات السنة الجديدة، وجد أن من أكثر القرارت شيوعا هي “سأصبح شخصا صحيا أكثر بممارسة الرياضة والإلتزام بالأكل الصحي”، فالرياضة والأكل شكلوا معضلة في أسلوب الحياة المعتمدة من قبل العديد، فنحن نعاصر زمن يشح فيها الحركة وتتوفر فيه المغريات على شكل إعلانات مبتكرة وتجارب وصور يشاركها الأفراد بعضهم البعض عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي. ومع الصحوة الصحية التي باغتت العالم جعل من ممارسة الرياضة والأكل الصحي تتصدر قائمة القرارات. وهناك العديد من القرارات والوعود تتشكل في أهميتها وتأثيرها ولكن أكثر 5 قرارت شيوعاً بمناسبة السنة الجديدة هي:
- خسارة الوزن
- توفير المال
- ممارسة الرياضة
- ممارسة الهوايات
- الاستمتاع بالحياة

يمكن التعبير عن هذه القرارات بصيغ وعبارات مختلفه وإذا ما قارنتها مع ما كنت تخطط له من قرارات للعام القادم فلن تجد إختلافا كثيرا أو ربما تكون متطابقة تماماً. فهذه قرارات منطقية وستحسن من مستوى ونوعية حياة الفرد من جوانب عدة، والكل يحاول تحقيق شيئا منها بطريقة أو أخرى. ولكن عند التمعن في هذه قرارت تجدها مبهمة وعامة جداً لا يمكن تنفيذها بشكل مباشر فتكون وكأنها أحلام أو أفكار. القرار ذاته يجب أن يكون أكثر من مجرد جملة أو عبارة، فالتغيير يظل مجرد فكرة إذا لم يستثمر الفرد وقته في تخطيطه ودراسته. ونضيف إلى ذلك تحديد فترة زمنية من أجل الإلتزام بهذا القرار من تاريخ البدأ بالتغيير إلى يوم حصد النتائج، بمعنى آخر تاريخ بداية وتاريخ نهاية، وتختلف الفترات الزمنية بين أسابيع إلى أشهر أو حتى السنة الجديدة القادمة. ربما يبدو لك ذلك منطقيا في بادئ الأمر، ولكن لنتعمق في الفكرة بشكل أكبر.
تخيل انك في عشاء مع أصحابك ويأتيك اتصال من مكان عملك وطُلِب منك بشكل مفاجئ أن تسافر غداً في رحلة عمل مهمة جداً إلى دولة لم تقم بزيارتها من قبل، وعليك أن تقوم بترتيبات السفر وتكون مستعداً، فنجاح هذه المهمة تعتمد عليك كلياً. لاتستبعد انك ستكون في حالة هلع فأنت لست في المنزل ولم تجهز ملابس للسفر، ولم تقوم بالبحث عن مكان سكن أو أسعار التذاكر، ولا تملك معلومات عن من ستلتقي به أو المكان و درجة الحرارة أو البرودة وغيرها من الإستعدادات التي تقوم بها عادة قبل أي رحلة عادية، أضف إلى ذلك كونها رحلة عمل مهمة جداً! سينتهي بك المطاف في أحد السناريوهات إما انك لن تستطيع أن تقوم بالرحلة بتاتاً أو انك ستصل إلى هناك وتكون في حالة توتر ولن تستطيع إنجاز المهمة الموكلة إليك، مجرد فوضى! وبهذه الفكرة نعود إلى قرارات السنة الجديدة نجد أن متوسط عدد القرارات التي يتخذها الفرد تكون بين 3-5 قرارات ولكنها تصل عند البعض إلى 7-10 قرارات لها علاقة بالتغيير والتجديد. فنبدأ بتحديد القرارات وكتابتها يتبعها تحديد التاريخ الذي سيبدأ فيه التغيير. حتى هذه النقطة لقد اخترنا التغييرات التي نريد تحقيقها ومتى سنبدأ العمل على ذلك (اليوم الأول من السنة الجديدة)، وفي النهاية نضيف إلى اللائحة التاريخ المستهدف حيث سيكون هو التاريخ الذهبي الذي حققنا فيه وعود السنه الجديدة، وهكذا نكون انتهينا وأصبحنا مستعدين لإستقبال السنة الجديدة.
ومع اقتراب السنة الجديدة يبدأ العد التنازلي بحماس و ترقب لتنفيذ القرارات مع البداية الجديدة وثقه أن التغيير القادم. وبهذه المناسبة وروح الاستعداد والجاهزية نودع اليوم الأخير بإحتفال ملائم لإستقبال كل جديد وصحي في اليوم التالي. وعلى مر الأيام والأسابيع تبدأ شعلة الحماس بالإنطفاء ويتداخل شعور الملل والإستسلام، وأحيانا الإحراج. وهنا نتساءل: إذا كان أغلب الأشخاص يملأهم الحماس و الإستعداد نفسيا وعقليا للتغيير فلماذا ينتهي بهم المطاف هكذا ويكونون ضمن ال 80% كما ذكرنا سابقاً.
إن الانسان بطبيعة الحال يعيش بالروتين والتكرار، ويتم ذلك عن طريق التعود على عمل بعض الاشياء بطريقة واسلوب معين مثل روتين الإستيقاظ من النوم، أو الاعتياد على أكل أكلات معينة مثل أكل الرز في الخليج والكسكس في المغرب. وبين حين وآخر يتعرض الفرد إلى مواقف وتجارب إيجابية وكذلك سلبية وكل منها يضفي أو يغير من طريقة عمله و تفكيره المعتادة وبالتالي يمكن أن يؤثر في مجرى روتين حياته. وعندما يقوم بتجارب حسية كتذوق أكلات غريبة يمكن أن يؤثر ذلك في مدى تقبله لنكهات مختلفة وجديدة، ويحدث كل ذلك على مدى حياة الإنسان غالباً بشكل منفرد وعشوائي. بعض التجارب يخوضها بصعوبة وبعضها بسلاسة، ويختلف ذلك كليا بين شخص وآخر، فلكل قدرات وامكانيات خاصة به. لذا عندما تكون لائحة القرارات مكونة من 3-5 تغييرات تريد أن تفرضها في روتين حياتك في نفس الوقت وفي فترة محددة، من دون الأخذ في الاعتبار واقعية التغييرات بالنسبة لقدراتك، النتيجة المتوقعة من ذلك هو الفشل، لماذا؟ لان يترتب عند تحديد فترة زمنية تراكم ضغط نفسي وجسدي في هذه الفترة من أجل الإلتزام بالقرار أو مجموعة القرارت التي اتخذتها حتى تصل إلى مرحلة الإنهيار. وعندها سيتضح عندك الواقع، وهو أنه من الصعب أن يقوم الفرد بتغيير جذري بين ليلة وضحاها، فما بالك بأن يقوم ب5 تغييرات هائلة في نفس الوقت! ذلك من المستحيل. وعندما نأخذ في الاعتبار انك إنسان من مرتبط بوظيفة أو دراسة، عائلة (سواء رب أسرة او فرد من أفراد الأسرة)، وغيرها من المسؤوليات وربما حالة مرضية بسيطة. فكيف يمكن لهذا الشخص أن يقوم بهذا الكم الهائل من التغييرتحت الضغط وينجح؟
حسنا اذا كيف يمكن أن أكون من ال8% الناجحين؟
مبادرتك في كتابة القرارت وترتيبها على حسب أولويتها في تحسين حياتك ليست إلا الخطوة الأولى في رحلة التغيير، مهما كانت القرارات؛ سواءا تعلم الرسم او خسارة الوزن أو توفير المال لشراء منزل، فهنالك مبادئ تحتاج إليها لتحقيق النجاح وهي: التمهل والصبر، التجزئة والتبسيط، توفير الدعم، الإنجاز والمكافأة. فكل مبدأ له تأثير في مجرى رحلة التغيير ونجاحها. ووفيما يلي سنوضح أهمية وفاعلية كل منهم:
التمهل والصبر:
يمكن رسم وكتابة عدة خطط وبرامج لتصبح من ال 8% النادرين، ومهما كانت الخطة لن تنجح إلا عند تحقيق مطلب أساسي للنجاح وهو الصبر. والحقيقة هي ان سبب نجاح ال8% هو التمهل والإلتزام، ربما يبدو لك الإلتزام شيء سهل وبسيط ولكن العجلة والرغبة في تحقيق الأهداف في أقصر فترة زمنية ممكنة هي من طبيعة الإنسان، التي ينتج منها آثار عكسية كالضغط النفسي والإجهاد الجسدي والإرهاق العقلي، فعندما تصبح مثقل بضغوط الحياة والمسؤوليات وضغط تحقيق أهدافك فلا تملك عندها غير مخرج واحد وهو الإستسلام لأن خطتك أصبح لها آثار جانبية سلبية على مسير حياتك اليومية بسلاسة.
فكيف يكون الصبر هو الأساس في التغيير؟
يذكرنا آباءنا وأجدادنا دوما أن “الصبر مفتاح الفرج”، ودائما يستخدم المثل في سياق الحزن والهم، ولكن عند التمعن في معناها فهو ليس الصبر على أمور في انتظارها لتزول وتنتهي، ولكن الصبر أيضاً على الأمور لتُنجز و تنجح ، حيث يعرّف الصبر لغوياً انه حبس وضبط النفس. فكل مجتهد صبور و كل مكافح صبور، فالمبادرة بالعمل على التغيير ليست إلا خطوة أولى في اتجاه التغيير، ولكن مواصلة العمل ومواجهة التحديات والصبر على غريزة العجلة هو النجاح الذي نسعى إليه. فالتغيير الدائم يتطلب الوقت في التدريب والتكرار، أما التغيير المؤقت فيكون نجاحه أيضاً مؤقت. على سبيل المثال لا الحصر، إذا كان هدفك خسارة الوزن، فانت تريد أن تخسر وزنك للأبد وليس لفترة محدودة، إذا التغيير الذي تحتاجه أكثر من أكل ورياضة بل إلى تبني أسلوب حياه يدعم هدفك من كل جانب، ولن يتحقق ذلك عند اختيار الطرق المختصرة والحلول السريعة. وينطبق ذلك على جميع الأهداف مهما كان حجمها فبالتمهل والإلتزام يمكنك تحقيق كل ماتتمناه.
التجزئة والتبسيط:
لنقل ان شخصا ما أهداك كتاب طبخ يحتوي على اسماء وصور الأطباق فقط ، هل يمكنك تنفيذ أي طبق بنجاح؟
في البداية ربما تحاول من حيث تكهن المقادير والخطوات وتقوم بعدة تجارب ومحاولات، لكن على الأغلب ان معظم محاولاتك ستبوأ بالفشل أو ان تأخذ الوصفة وقتا طويلاً جداً لإنجازها، فالهدف من الكتاب ان يسهل عملية الطبخ وليس تعقيدها، وفي النهاية على الأغلب ستقوم بالتخلص من الكتاب. فأن تقوم بكتابة القرارات هي خطوة مقاربة لكتابة اسماء الأطباق فقط في كتاب الطبخ، لانختلف أنها خطوة أساسية في إتجاه التغيير، ولكنها لا تكفي لمساعدتك في تحقيق النجاح، فكل قرار يجب ان يشكل هدفا يمكن تجزيئه و تقسيمه إلى مراحل وخطوات. لذلك يجب التفكير في القرارات بجدية وكيفية تحقيقها، وماهي المهارات والقدرات التي عليك تعلمها واكتسابها لكل خطوة ومرحلة، بهذه الطريقة تكون قد كونت خطة متكاملة و مدروسة. فأهمية وجود طريق واضح يمدك بالثقة والقوة في العمل والمواصلة، وتكون قد كونت لنفسك مجموعة من المهارات والعادات التي تساعدك في تحقيق هدفك وتجعلك مستعد دائما لمواجهة أية مفاجآت أوعواقب قد تصادفها في رحلتك إلى التغيير.
توفر الدعم:
يأخذ الدعم عدة أشكال فهناك الدعم المادي و المعنوي والعاطفي، وحاجتك تختلف اعتمادا على ماهية أهدافك ويتنوع مصدر الدعم من أشخاص كالأهل والأصداقاء أو ان تكون ضمن فريق دعم، كذلك يمكن ان يكون من البيئة المحيطة كثقافة المجتمع، مكان السكن إن كانت غرفتك أو موقع منزلك أو مكان العمل. عندما تبدأ رحلتك في التغيير، ستواجه بلا شك بعض الصعاب التي ستثقل كاهلك وتعرقل لك طريقك، فأنت عبارة عن طاقة وكل ما تقوم به في حياتك اليومية إلى جانب تحقيق أهدافك يستنزف منك جزءاً وإن كان صغيراً، لذا من أهمية وجود الدعم بأنه يمدك بالقوة والطاقة الإيجابية للمواصلة والتغلب على الصعاب. فعند كتابتك لائحة أهدافك عليك ان تأخذ في الإعتبار من سيكون فريق الدعم بالنسبة لك، وشاركهم أهدافك حتى يكونوا على علم واستعداد حين تكون في حاجة اليهم، وفي حين انك تفتقر وجود أشخاص داعمين لك يمكن تهيئة مكان سكنك كغرفتك أو منزلك بإحاطة نفسك بأجواء تدفعك إلى الاسترخاء والشعور بالطمأنينة عن طريق ترتيب المكان والتخلص من أية عوامل يمكن ان تؤثر سلبيا عليك ومحاولة إضافة عوامل لها تاثير إيجابي ومساهم في رحلتك إلى التغيير.
الإنجاز والمكافأة:
عند تقسيم الهدف إلى مراحل وخطوات، فنحن أيضاً قمنا بتجزئة الهدف النهائي الى أهداف صغيرة متتالية، لذا عليك ان تستمتع وتحتفل بهذه الإنجازات وتكافئ نفسك عند تحقيق أي إنجاز مهما كان صغيراً. فذلك سيعمل على تعزيز الثقة بالنفس ويرفع من مستوى الحماس لتحقيق الهدف القادم. ويمكن ان يكون الإحتفال أو المكافأة عبارة عن عشاء بسيط مع أصحابك، أو جلسة مساج في منتجعك المفضل أو ان تشتري لنفسك هدية بسيطة. اجعل من المكافأءة شيء ترغب به، ومتناسق مع هدفك النهائي، مثلا إذا كان هدفك ان تنمي عضلات بدنك الى نسبة معينة فيمكن أن تكون مكافاتك عبارة عن ملابس رياضة جديدة أو حذاء جديد ترغب به. ستختلف المكافآت بإختلاف الأشخاص والأهداف، فاختر ماتحب ويناسبك من غير مبالغة حيث تتحول المكافأة إلى الهدف وتشتت انتباهك عن هدفك الأساسي. استمتع برحلة التغيير بطريقتك المميزة والخاصة بك.
كلمة أخيرة
يمكن تحقيق أي تغيير تتمناه لنفسك بتبني نفس المبادئ من خلال التدريج والاستمرار والالتزام، ومهما تطول المدة لتحقيق هدفك تذكر انه قادم لا محاله فكل ماعليك فعله هو التمسك بأهدافك ووضعها في مكان بارز لتذكيرك بها دائماً، فالتغيير رحلة عليك ان تستمتع بها وتنمو معها فكريا وروحيا وتغدو بها إنسانا أفضل.

Leave a comment