هل تغذيتك جيدة وتحتوي على الخضار والفواكه؟ وماذا عن حركتك اليومية وممارستك الرياضة؟ هل تعتبر نفسك نشيطًا أم خمولًا؟ هل يغلب على تغذيتك الوجبات السريعة والحلويات؟
هذا هو الفكر المتداول، أنّ الصحة تعني التغذية والرياضة. ولكن، هل هذا يكفي؟
ماذا عن النوم؟ وماذا عن وضعك الاجتماعي؟ وماذا عن صحتك النفسية والعقلية؟
الإنسان كائن معقّد، كيان متعدد الأوجه ومتشابك الطبقات، ومن العبث أن نحصر صحته في مجرد سؤالين بسيطين!
إن جسد الإنسان مكون من مستويات مختلفة، كذلك تتشكل صحته من جوانب عدة متداخلة. نحن لسنا مجرد مجموعة من الدهون والعضلات، بل نحن فكرٌ وروحٌ وقلب، وأبعد من ذلك بكثير. لذا، على الفرد أن يعتني بصحته بجوانبها كافة، لا بجزء منها فحسب، لينعم بالصحة المتكاملة (الشاملة). فما الصحة الشاملة؟ وكيف يمكن قياس الصحة؟
لنستعرض الصحة كشجرة متأصلة، ذات خمسة أفرع رئيسية تمثل الأبعاد الأساسية لصحة الإنسان: الذهن، والجسم، والعاطفة، والروابط الاجتماعية، والبيئة المحيطة. كما تتفرع الشجرة إلى فروع صغيرة وأوراق تجسّد الأعمال والإنجازات التي نؤديها.
تأمل للحظة وتخيل، هل يمكنك رؤية شجرتك؟ هل هي متينة الجذع، مكتظة بأوراقها الخضراء وثمارها الملونة؟ أم أنك تراها يابسة وخالية من الأوراق على أغصانها؟ أو لا هذا ولا ذاك، بل قد تكون شيئًا بينهما؟
لا توجد إجابة صائبة أو خاطئة، فما تراه هو مجرد انعكاس لمفهومك عن صحتك الآن.
ومثلك مثل الجميع، تتمنى أن ترى شجرتك خضراء مورقة ومزدهرة بألوانها وثمارها. ومن منّا لا يرغب في ذلك؟! ولكن السؤال يبقى… كيف نحقق ذلك؟
مثل ما تحتاج كل نبتة إلى عناية لتزهر وتثمر، كذلك شجرة صحتنا تطلب منا رعاية خاصة لتنمو وتتفتح. لكن شجرتك الخاصة لا تتطلب ضوء الشمس أو الماء أو التربة الغنية، بل تحتاج إلى نوع مختلف من العناية!
عناية لا يمكن تداولها في الأسواق، لا تُشترى ولا تُباع. السبيل الوحيد لتوفيرها هو من خلالك أنت لنفسك، فهي شجرتك الفريدة التي لا يستطيع أحد غيرك رؤيتها. إن اخضرت وأزهرت، فذلك بفضل عنايتك، وإن يبست وتجردت من أوراقها، فأنت المسؤول.
قد يشعر البعض بأن الاهتمام بهذه الشجرة يُصبح ثقلًا عند التفكير فيه، وهذا أمر طبيعي، فنحن معتادون تلقي العناية من الآخرين وقد لا نكون معتادين تقديمها لأنفسنا بالقدر الكافي.
تمامًا كالشجرة الوارفة التي تمتد ظلالها الواسعة وتتدلى منها الثمار النضرة، فإن العناية الذاتية المتكاملة تعكس تأثيراتها الإيجابية في البيئة المحيطة والأشخاص من حولنا، فيما الشجرة اليابسة لا يقترب منها سوى من يحمل الفأس ليقطعها، وهذا ما يحدث لمن يهمل ذاته، فيصبح ضحية لأفكاره السلبية وينشر الكآبة في كل مكان يوجد فيه ومع كل من يقترب منه! فكيف يمكنك إذًا أن ترعى شجرتك؟ أو بمعنى آخر، كيف يمكنك أن تعتني بنفسك؟

في هذا المقال، سنغوص في استكشاف الأبعاد الصحية الخمسة التي تشكل غصون شجرة الصحة: غصن الفكر والعادات، وغصن الجسد، وغصن العواطف والحب الذاتي، وغصن الحياة الاجتماعية والعلاقات، وأخيرًا غصن البيئة. سنبدأ رحلتنا بالغوص في عالم الفكر ونختتمها بالتعرف على تأثير البيئة.
غصن الفكر والعادات: يشبه هذا الغصن اللغز الذي يتطلب الفهم والتأمل العميق للعناية به. فكل شخص يتميز بأفكاره وعاداته الفريدة التي تميزه عن الآخرين. ولكن الفكر والعادات ليسا مجرد مصدر للتميز، بل هما أيضًا محوران يمكن أن يعززا الصحة أو يسهما في تدهورها. الأفكار لا تقتصر على الآراء والمفاهيم التي نولدها، بل هي اتجاهات العقل التي تؤثر في قراراتنا وأفعالنا اليومية، والتي بدورها تشكل عاداتنا وسلوكياتنا. الوعي بأفكارك ومصادرها يمكن أن يكون له تأثير كبير في إنتاجيتك ومزاجك ونمط حياتك.
سل نفسك، لماذا… (مثلًا: لماذا أستخدم الهاتف عند استيقاظي صباحًا؟)، وكيف يوثر ذلك في بقية يومي؟ هل هذه العادة تخدمني في تحقيق أهدافي؟
عندما تراجع أفعالك، ستجد أن أفكارك هي التي تقودها. الغفلة عن هذه الأفكار قد تؤدي إلى أفعال غير منطقية أو غير مرتبطة بأهدافك. ما إن تبدأ بتوظيف أفكارك ومراقبتها، ستجد نفسك تتخذ قرارات -ولو كانت صغيرة- تخدم أهدافك الرئيسية. مثلًا، الانتباه إلى كمية السكر في كوب الشاي قد يكون خطوة أولى نحو التحكم في وزنك.
أفكارك هي البوصلة التي تقودك نحو ما يهمك حقًّا، وعليها تبني عاداتك اليومية التي تساهم في تحسين مزاجك وإنتاجيتك. ومع مرور الوقت، ستجد التناغم في يومك الذي يتناسب مع شخصيتك واهتماماتك؛ ما يمنحك الطاقة والحيوية.. والأهم من ذلك، الشعور بالرضا والسعادة.
غصن الجسد: يعدّ هذا الغصن الركيزة الأساسية في شجرة الصحة بالنسبة للأغلبية، ويتعلق بالتغذية والنشاط البدني (الرياضة)، وقد نال قسطًا وافرًا من الاهتمام في عالم الصحة.
دعونا نتأمل هذا الغصن من منظور جديد. لنبدأ بفرع التغذية. التغذية هي الوقود الذي يُحرك آلة الجسم، وهي المصدر الذي نستقي منه الطاقة لممارسة الأنشطة اليومية ولدعم الوظائف الحيوية التي تُبقينا أحياء. الغذاء ليس مجرد أكل وشرب، بل أصبح الغذاء ذا أهمية مضاعفة في عصرنا الحالي بسبب التأثيرات النفسية والجسدية السلبية التي قد تنجم عن استهلاكه بشكل غير صحيح. لن أتطرق هنا إلى ما هو صحي وما هو ضار، فالمعرفة بهذا الشأن متاحة للجميع. لكن الأهم هو إدراكك تأثير ما تتناوله في جسدك أنت بالتحديد. لا تُفاجأ إذا اتبعت نظامًا غذائيًّا “صحيًّا” واكتشفت أن له آثارًا جانبية سلبية فيك، فليس كل ما يُروّج على أنه صحي يناسب طبيعة جسمك.
وهنا أحب أن أقترح عليك تجربة يمكنك من خلالها استكشاف طبيعة تغذيتك وتأثيرها في جسدك: حدد مدة زمنية تتراوح بين عشرة أيام وشهر كحد أقصى. خلال هذه المدة، سجّل كل ما تتناوله من طعام وشراب دون إجراء أي تغييرات على نظامك الغذائي المعتاد. الهدف هو ملاحظة نمط تغذيتك الطبيعي وتسجيل كل ملاحظاتك، سواء كانت تتعلق بالطعام نفسه أو بالتأثيرات النفسية والجسدية التي تشعر بها في أثناء الأكل وبعده.
ستتباين النتائج من شخص لآخر، وقد تكتشف أن نظامك الغذائي أفضل مما كنت تتوقع أو أنه يحتاج إلى تحسينات بسيطة. بغض النظر عن النتيجة، القرار الذي ستتخذه سيكون مبنيًّا على تجربة شخصية وليس من فراغ.
أما فرع الرياضة فيعدّ مصدر الحيوية والطاقة، ومن المعلوم أن للرياضة فوائد جسدية ونفسية جمّة، فهي السر في الحفاظ على الصحة والعافية. “الحركة بركة، صحيح؟”
ولكن، الانخراط في نشاط رياضي دون مراعاة قدراتك وحاجاتك قد يؤدي إلى الإصابات أو الشعور بالإحباط إذا لم تُحقق النتائج المرجوة. يجب أن تأخذ في الاعتبار طبيعة جسدك، وعمرك، وحالتك الصحية، ومهاراتك، والوقت المتاح لك عند اختيار الرياضة المناسبة. ومن الضروري أن تجد الرياضة التي تستمتع بها، فالمتعة في الأداء تضمن الاستمرارية والتفاني.
وكون على علم بأنه على الرغم من ترويج بعض الرياضات عن غيرها، فإنه يُنصح أن تجرب أنواعًا مختلفة من الرياضات لاكتشاف ما يناسبك بشكل أفضل، فقد تمارس نوعًا معينًا من الرياضة لمدة عام كامل دون تحقيق النتائج المطلوبة؛ ما يشير إلى أن جسمك قد يحتاج إلى نوع آخر من النشاط البدني لتحقيق أهدافك. الاستماع إلى جسدك وتجربة مختلف الأنشطة هو المفتاح للعثور على الرياضة التي تلائمك وتساعدك على الوصول إلى أهدافك الصحية واللياقة البدنية.

غصن العواطف والحب الذاتي: يزهر هذا الغصن في عصر لا يتوارى عن الإحساس ويحتفي بالتعبير عن المشاعر. لا يعني ذلك أنه عليك أن تغمر كل من حولك وكل ما تعايشه بالحب، بل هو صب هذه العواطف نحو ما يستحق الاهتمام، مع إعلاء شأن حب الذات. يُساء فهم معنى حب الذات أحيانًا، فيُخلط بينه وبين الأنانية والانعزالية؛ ما يُفضي إلى تفشي السلوكيات النرجسية في زمننا هذا. لكن في جوهره، حب الذات يعني القبول الكامل لذاتك بكل ما فيها من مظهر وفكر وعاطفة. بقبولك لذاتك تُتاح لك الفرصة للنمو والتطور، وتصبح مسارات التحسين الذاتي والعناية بالنفس مدفوعة بالحب والثقة بالنفس.
هذا الحب والاهتمام ينعكسان إيجابًا على محيطك، فبقبولك لذاتك تصبح أكثر تقبلًا للآخرين وتفهمًا لمشاعرهم وأفكارهم. أما إذا كنت دائم العتاب لنفسك، فذلك ينم عن عدم الرضا عن الذات والمقارنة المستمرة بالآخرين؛ ما يؤدي إلى الدخول في دوامة من النقد الذاتي والإحباط، ويُفقدك القدرة على التعاطف مع الآخرين.
الاهتمام بحب الذات قد يبدأ بالنظر إلى المرآة وتقبل الصورة الانعكاسية بحب، وهو ما قد يُعتبر سطحيًّا، لكنه في الحقيقة يُمهد الطريق للعناية بعواطفك وأفكارك ومهاراتك.
غصن الحياة الاجتماعية والعلاقات: يُشبه هذه الغصن الشبكة المعقدة التي لا تخضع بالكامل لإرادتنا. نحن لا نختار عائلتنا أو زملاء العمل، ولكن بإمكاننا انتقاء أصدقائنا إلى حد ما.
إن طبيعة البيئة الاجتماعية التي نختارها تعكس قيمنا وأولوياتنا وأفكارنا وتوجهاتنا. والنجاح في العلاقات يعتمد على السيطرة على الذات، وعلى التقبل الكامل للفردية المميزة لكل شخص وليس محاولة التحكم في الآخرين مثل ما يعتقد البعض. بتقبلك للآخرين بكل ما فيهم من مزايا وعيوب، وبالاعتراف بأنك أيضًا لست خاليًا من النقائص، تصبح العلاقات الاجتماعية أكثر إمتاعًا وثراءً.
هنا يجدر بالذكر وسائل التواصل الاجتماعي، رغم أنها قد تُسهم في الشعور بالعزلة وتقليل التفاعل الشخصي، فإنها يمكن أن تُستخدم أيضًا لتعزيز العلاقات وليس لإهمالها. إذا كنت من الأشخاص الذين يميلون إلى الانطواء بسبب العمل أو التزامات أخرى، فمن المهم أن تدرك أن الانسحاب التام من المجتمع ليس حلًّا مستدامًا، فنحن في النهاية كائنات اجتماعية بطبعنا، نحتاج إلى التفاعل والتواصل مع الآخرين للشعور بالطاقة والمتعة. استخدم وسائل التواصل الاجتماعي كأداة للتقريب بين الناس وليس كوسيلة للانفصال عنهم.
غصن البيئة: يعدّ هذا الغصن الذي قد يظن البعض أنه خارج نطاق السيطرة ولا يمكن التحكم فيه، لكن تأثيره فينا جلي ومؤثر، سواء أدركنا ذلك أم لا. وبينما يُمكن أن يكون الأشخاص جزءًا من بيئتنا، فإننا نركز هنا على البيئة المادية التي تقع ضمن دائرة تحكمنا، من أماكن وأشياء وكل ما يمكننا التأثير عليه.
فعلى سبيل المثال، يمكنك الاهتمام بالبيئة المادية من خلال المحافظة على نظافة المكان، ترتيب مكانك الخاص كغرفة النوم او المكتب، والاعتناء بأغراضك الشخصية حتى ولو كانت خارج غرفتك، مثل كوب القهوة المفضل أو قنينة الماء. تشير بعض الدراسات -كما في مجلة علم النفس البيئي، إلى أن ترتيب الغرفة يُعد إنجازًا يوميًا بسيطًا يُعزز الشعور بالإيجابية والقدرة على الإنجاز. بدء اليوم بترتيب السرير يُمكن أن يؤثر إيجابًا على مجرى اليوم، ويُوفر شعورًا بالراحة والطمأنينة عند العودة إلى المنزل. بالمقابل، العودة إلى غرفة مُبعثرة تُثير التوتر وتُشير إلى وجود مهام غير منجزة؛ ما يُعيق الشعور بالاسترخاء.
فإذا أجرينا تجربة حيث يُحافظ الشخص على ترتيب مكانه باستمرار، سيُلاحظ مع الوقت أن هذا الروتين يُصبح جزءًا من نظامه اليومي، ومُؤثرًا في مختلف جوانب حياته، من أفكاره إلى مزاجه. ويمتد هذا التأثير إلى الآخرين الذين يبدؤون بتقدير اهتمامه بالترتيب والنظافة (حتى لو كانت أغراضهم غير مرتبة)، فيحترمون مساحته الشخصية، ويطلبون الإذن قبل استخدام أي شيء من مقتنياته، ويحرصون على إعادة كل شيء إلى مكانه.. وبذا يُصبح الترحيب والنظافة جزءًا أساسيًا من بيئته.
“شكل مكانك هو انعكاس لأفكارك”، قد لا يُحبذ البعض هذا القول، معتقدين أنه قد يُظلم البعض، لكنه يحمل بعض الحقيقة. فالبيئة المُرتبة تُسهم في تدفق الأفكار وتُعزز السكينة النفسية والهدوء.
فاذا عدنا لنسأل مرة أخرى، ما مقياس الصحة؟
هو أن تستيقظ قادرًا على الاهتمام بنفسك، وأن تأخذ قسطًا كافيًا من النوم، وأن تكون إنسانًا سعيدًا.

Leave a comment