أصبح مصطلح المثالية متداولًا بكثرة في الآونة الأخيرة، وقد تلاحظ أن الكثير من الناس يعدّونها صفة تحظى بالثناء والإعجاب. في الواقع، المثالية سلاح ذو حدين، فهي تعمل مع -أو ضد- صاحبها باختلاف المواقف الشخصية والبيئة المحيطة به. في هذا المقال، سنلقي الضوء على الشخصية المثالية: ما هي، وما يترتب عليها من سلبيات وكيفية استغلال الإيجابيات.
فما المثالية “perfectionism”؟ وكيف يمكن أن تكون عقبة في طريق نجاحك؟
إذا أردنا تعريف الشخصية المثالية بشكل عام، فهي: سمة شخصية يسعى صاحبها لتحقيق الكمال والخلو من العيوب والقصور، سواءٌ أكانت في شخصه أم في عمله. ولكن، يختلط الأمر عند البعض في التفريق بين المثالية والطموح، فالطموح هو كل ما يحلم به المرء ويهدف إلى تحقيقه، أما المثالية فتكون في تفاصيل كيفية تحقيقه.
في البداية -لإبعاد أي شبهات- يجدر بنا ذكر المثالية المصطنعة، وهي المثالية الشائعة بين المراهقين والشخصيات النرجسيّة. وفي دراسة أجرتها جامعة بردجبورت الأمريكية وجدت أن الكثير لا يعي كونه في تلك الفئة، إذ يختبئ المراهقون خلف آخر صيحات الموضة والتجارب الحياتية التي ستجعلهم يتميزون عن الآخرين، لهوسهم في تلقي الإعجاب ورضى الآخرين، إذ لا تهدف هذه الفئة إلى التطور والنمو الذاتي، ولذلك لن نركز هنا على هذا النوع من المثالية، بل سنتحدث عن المثالية التي –مثلًا- عندما تحاول أن تبدأ برنامجًا صحيًّا لخسارة الوزن ولا تجد الوقت المثالي للبدء! أو أن تكون في مقارنة دائمة مع زملائك في العمل، ما يسبب لك الشعور الدائم بالنقص والإحباط! أو قد تقضي يومك بطوله في تنظيف المنزل وترتيبه من أجل أن يكون نظيفًا ومثاليًّا دائمًا!
وبالمثال الآتي سنرسم صورة أوضح عن مبدأ الشخصية المثالية: إذا طلبنا من شخصين أن يفرغَا محتويات صندوق في صندوق آخر، ثم الانتقال إلى مهمة أخرى. يأخذ الأول الصندوق ويفرغ محتوياته بقلبه في الصندوق الآخر، أما الثاني فيصفّ المحتويات ويرتّبها عند نقلها من الصندوق إلى الآخر.
إنّ المطلوب في المثال واضح جدًّا وهو تفريغ محتوى الصندوق، وقد أنجز كلا الشخصين المهمة ونفّذ ما طلب منه. ولكن، الفرق الذي يضمن النجاح هو أن الأول أنهى المهمة في لحظات أما الثاني فقد احتاج مدة زمنية أطول، إذ قرر أن يأخذ على عاتقه مهمة ترتيب الصندوق الآخر مع أن ذلك لم يُطلب منه أساسًا.
إذًا، لماذا ما زلنا نسعى لتحقيق المثالية ونحث عليها؟ ومن الشخصية التي تريد أن تكونها في المثال؟ الشخص الأول أم الشخص الثاني؟
في الحقيقة، إنك لا تريد أنت تكون أيًّا من الشخصيتين -على الأقل في بعض جوانب حياتك- ولكن تريد أن تحقق إنجازات وانتصارات على الدوام حتى إن لم تكن مثالية، إذ إن المثالية تُلزمك بقوانين وقيودًا تسبب الضغط والإجهاد، فيبقى الشخص–عادة- عالقًا في حلقة متتالية من الروتين المثالي الخالي من أي انتصارات أو إنجازات ذات معنى.
فعند تطبيق مثال الصندوق في حياتنا، نجد أننا في أغلب الأوقات نحاول أن نكون من فئة الشخص الثاني، إذ إننا نسعى لتحقيق المثالية حسب معاييرنا الخاصة والتدقيق في التفاصيل التي قد تكون باهرة ولكنها غير مطلوبة أو ذات أهمية، ما يؤدي إلى النجاح في أحيان نادرة، وضياع الفرص والوقت في أحيان أخرى. يناقش المثالي -الشخص الثاني- أنه إذا لم ينجز العمل بمثالية فمن الأفضل أن لا يبدأ به أساسًا.. بهذا الفكر يمكن أن تتجنب المضي في الكثير من الأعمال والمشاريع ظنًّا منك أنك لن تستطيع إتمامها بمثالية، إذ يجب أن تكون النتيجة 100% ولا مجال للخطأ، وهنا تصبح المثالية عبئًا ثقيلًا في طريق النجاح والتغيير. فهل تستحق التفاصيل الدقيقة كل ذلك؟
قد يجيب البعض بـ”نعم”، أو “ربما”، ولكن لن يجيب أحد بـ”لا”، لأننا بطبيعة الحال نعلم متعة إتقان التفاصيل الدقيقة على الرغم من متطلباتها وعواقبها، إذ إننا نطمح جميعًا إلى أن نكون الأحسن أو نحقق الأفضل، ولكن الحقيقة هي أننا في محاولات دائمة لتحقيق صورة المثالية، وفي ما يأتي ما قد يترتب عليها:
- يفقد الشخص الصورة الكلية للتطور والإنجاز الذي حققه بتركيزه على إتقان المثالية في التفاصيل.
- يماطل في البدء بأي عمل أو إنجاز أي مهمة؛ ظنًّا أنه لن يستطيع إتمامها بمثالية.
- ينتظر دائمًا الوقت المثالي لبدء أي عمل، ولأنه لا يوجد أي وقت مثالي أساسًا فإنه لا يبدأ ولا ينجز أي عمل.
- يأخذ وقتًا أطول من الشخص العادي لإتمام الأعمال، ما يؤدي إلى إضاعة كثير من فرص النجاح.
- يخاف من التغيير ومواجهة كل جديد، فيكون عالقًا في دوامة المثالية، فلا يتقدم فيها ولا يخسر شيئًا.
- يتجنب الكثير من الناس مشاركة الشخص المثالي إنجازاتهم، إذ إنه سيعدّها تحدّيًا له فيحاول مساواتهم، أو سيضاهي ما ينجزونه بطريقة ما.
- يصعب إرضاء هذه الشخصية، فهو شخص صعب سواءٌ في المجتمع أم في بيئة العمل.
- يكون تحت ضغط نفسي وإجهاد عقلي دائم، ويصعب عليه الاستمتاع والاسترخاء.

يتضح هنا أن المثالية أصبحت عبئًا مرهقًا وليست سمة شخصية تحب أن تكون معها، ناهيك أن تكون جزءًا منك. ولكن، قبل أن تتسرع بالحكم على نفسك، عليك أن تدرك أن روعة المثالية تجدها في تحقيق الانتصارات الصغيرة التي من خلالها تصل إلى ما تطمح إليه. لذا، فإننا نرى أن للمثالية جوانب إيجابية إذا ما وُظّفت بمهارة. فأنت –مثلًا- قد ترى الكثير مِن مَن حولك عالقين في مرحلة ما من حياتهم ولا يستطيعون الانتقال أو الخروج منها، ويعود ذلك إلى البحث الدائم عن الوقت المثالي أو الخطة المثالية، والحقيقة هي أننا بحاجة دائمة للوصول إلى خط النهاية حتى نجد المثالية ولا تكون المثالية في الرحلة نفسها، إذ لا وجود لرحلة خالية من الضغط النفسي والجهد العقلي، ولكن يمكنها أن تكون من غير ضغوط معايير المثالية التي قد تشلّ تقدمنا، إذ يجب حصر مقياس المثالية في مواضع ومواقف معينة من الحياة والعمل، لأن كثيرًا من المهام يتطلب المثابرة والعمل ولا يتطلب الكمال للإتيان بالنتائج المراد تحقيقها.
توجد وسائل كثيرة تمكنك من النجاح من غير أن تتخلى عن معايير المثالية نهائيًّا، وفي ما يأتي بعض المبادئ التي ستساعدك -عند اتباعها- على تدريب نفسك لتشق طريق النجاح:
- تقبّل أن القدر المستطاع يكفي: تذكر أنك مَن وضعَ معاييرك للمثالية ولن يحاسبك عليها أي شخص آخر، لذا يمكنك أن تتراخى أحيانًا وتستمتع بالإنجازات الصغيرة، فهي التي ستدفعك للمواصلة والاستمرار وتحقيق نتائج أفضل عندما تعمل مرتاحًا دون ضغوط.
- توقف عن مقارنة نفسك بالآخرين: أن تؤمن بأن لكل فرد قدرات ومهارات خاصة به تختلف عن الآخرين، فلا تحدد نطاق نجاحك من نجاح غيرك فلربما نجاحك يكون باهرًا لو أفسحت المجال لنفسك بتركيزك على مهاراتك وتطويرها.
- العمل على ترتيب أولوياتك ومهماتك وتقييمها: قبل مباشرة أي عمل أو تغيير، عليك تقسيمه إلى مهمات صغيرة وترتيبها من حيث الأهمية، ستجد أن بعض هذه المهمات دقيقة وتحتاج إلى المثالية وقد تحاسب عليها، فيما قد لا يتطلب –معظمها- مستوى الاهتمام والتركيز نفسه. لا نقصد هنا الإهمال أو تجنب المهمات البسيطة، ولكن ترتيب أولوياتك يساعدك على إدارة وقتك ومجهودك حسب الأهمية والدقة عند تطبيق معايير المثالية.
- حدد مدة زمنية لإنجاز كل مهمة: الوقت هو المقياس الرئيسي لتحديد نجاح أي عمل، قد يكون ذلك صعبًا، ولكن عليك أن تعرف كيف تدير وقتك وتتجنب إضاعته في إنجاز مهمة واحدة فقط. لذا؛ قسم العمل الكلي إلى مهام “أو خطوات” صغيرة، وحدد لكل منها مدة زمنية وأعطها الاهتمام الكافي والوقت اللازم لإنجازها؛ ما يساعد ذلك على تجنب الشعور بأنك مغمور بالمهام والأعمال وعالق في الفوضى.
- تخلّ عن مبدأ “كل شيء أو لا شيء”: إن عدم بدئك العمل أو التغيير إلا عندما تكون واثقًا من جميع المعطيات يعدّ مطلبًا مستحيلًا، ولا ينجم عنه سوى المماطلة وتجنب بدء أي عمل.. إن تبني مبدأ “شيء أفضل من لا شيء” سيكون خطوة مثمرة، فالإنسان يطمح إلى النجاح المثالي، ولكن محاولة تحقيق النجاح بما يتوفر لديك من مهارات وقدرات هو نجاح بحد ذاته، وعندما تُقدِم على العمل -بغض النظر عن النتائج والتحديات- فربما لا تحقق النجاح الذي تصبو إليه، ولكنك ستنمو وتتطور حتى تحقق ما لم تتخيل تحقيقه يومًا.
- ثق بالتغيير: إن كانت حياتك لا تتغير فإنك لا تتغير. فالطبيعة هي سلسلة تغيّرات لا بدّ من حدوثها وإلا توقفت عجلة الحياة، فإن توقفتَ عن التغيير توقفتَ عن الحياة وأصبحتَ غارقًا في روتينٍ مملٍّ مهما كانت حياتك “مثالية”. يضفي أيّ تغيير -مهما كان بسيطًا أو صغيرًا- الكثير إلى حياتك، لذا استمتع بالانتصارات الصغيرة، فالسعي للتغيير هو المثالية بحد ذاتها وليس التغيير نفسه.
اجعل من هذه المبادئ دليلًا أو مرشدًا لك ولا تجعل منها قوانين عليك اتباعها، فبصفتك شخصًا مثاليًّا ربما تحاول تطبيقها كلها في آنٍ واحد. ولكن، أدعوك إلى أن تتأنى وتجرب كل مبدأ على حدة وتختار المبدأ الأسهل وليس الأكثر تحدّيًا لك، فأنت تخوض رحلتك الذاتية ومن المهم أن تستمتع بها وبالتجارب التي ستخوضها، إذ لا يوجد قاضٍ أو حكم لتقييم مجهودك غيرك، فكن لطيفًا مع نفسك ولا تقسُ عليها، وعندما تحنّ إلى عاداتك القديمة أو تنحرف عن مسارك من حين إلى آخر، فتذكر أننا بشر وكل ابن آدم خطاء، فبالخطأ نتعلم وننمو، ودونه لا يمكن أن نبدع ونتطور. وعليك تقبُّل أن عقبات الحياة وصعوباتها جزءًا لا يتجزأ منها، وأن تعرف أن المثالية في التغلب عليها وليس بتجنبها، فليس الخطأ أن تزل قدمك وإنما أن تفقد الأمل في نفسك، فنحن نهدف إلى التغيير الدائم الذي يأخذ الوقت الأطول ولكن النتائج الأفضل لحياة أجمل.
كلمة أخيرة
كن على ثقة بأن التغيير هو الرحلة وليس الوصول إلى الوجهة النهائيّة.. باتباع هذا الفكر سيصبح من السهل أن تخوض التجارب والتحديات، وقد أصبحت النتيجة أقل أهمية. فليس من الضروري أن تفوز بالسباق وإنما المهم أنك وصلت إلى خط النهاية، والأهم أنك خضت التجربة نفسها. فعند رؤية الحياة من هذا المنظور ستصبح روحًا متجددة وعقلًا منفتحًا وتصبح الحياة أكثر متعة، فلا تدع المثالية عقبة في طريقك واجعلها أداة في تحقيق إنجازاتك.

Leave a comment