التجارة مبدأ ازلي وجد مع نهضة الانسان وتقدمه، فلا عجب من استحواذ التجارة على جزء كبير من عالمنا بشكل مادي و فكري. في حين عالم الصحة بالمقارنه يعتبر في بدايته، وهنا لا يقصد الطب والعلاج، بل عن الصحة و الاهتمام بها قبل المرض. لقد وُجِد الطب لعلاج المرض. أما مفهوم الاهتمام بالصحة فهو جديد لحد ما فالصحة ليست حكراً على الجسد بل الذهن و النفس كذلك.
هذا المقال مستوحى من كتاب SEEDS of Change للكاتبة حنان بن خلوق، التي تسلط الضوء على كيفية إدارة التغيير داخل الشركات. رغم أنه ليس كتاباً عن الصحة، إلا أنني وجدت في نظرياته ما يلهمنا لفهم أنفسنا وإحداث تغييرات إيجابية في حياتنا الشخصية.
لطالما ارتبط مفهوم التغيير في أذهاننا بشيء خارجي، يتعلق بالبيئة أو الظروف المحيطة. ولكن ماذا لو كان التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل، من طريقة تفكيرنا وإدارتنا لأنفسنا؟ هنا تكمن الفكرة الأساسية التي ألهمتني لكتابة هذا المقال: ماذا لو تعاملنا مع أنفسنا كما نتعامل مع إدارة الشركات الكبرى؟ بنفس الدقة والتحليل والرؤية الاستراتيجية؟ ما الذي يجعلك إنساناً، وما الذي يجعلك أنت تحديداً؟ خذ لحظة وتأمل هذه الفكرة: ”الانسان الشركة“.
تقوم نظرية SEEDS على خمسة أعمدة أساسية: الاستشعار (Sensing)، المبادرة (Engaging)، التمكين (Empowering)، التطور (Developing)، والاستدامة (Sustaining). هذه الأعمدة ليست مجرد مصطلحات، بل أدوات يمكن استخدامها لفهم الذات، وتحقيق أهدافنا الصحية والشخصية بشكل أعمق وأكثر تأثيراً.

الاستشعار (Sensing)
يُستخدم الاستشعار لجمع وتحليل البيانات، وفهم اتجاهات السوق، واستباق التحديات. تعتمد الشركات الناجحة على قراءة دقيقة للبيئة المحيطة، وتقييم المخاطر والفرص بناءً على المعلومات المتوفرة. هذا النهج الاستباقي يساعدها في اتخاذ قرارات استراتيجية تضمن استدامة نجاحها.
أما على المستوى الشخصي، فالإستشعار يعني التوقف عن الركض المستمر والتأمل في دوافعك، مشاعرك، وحتى في صمتك. تخيل أنك تدير “شركة ذاتك”—هل تفهم احتياجاتك الحقيقية؟ هل تراقب مؤشراتك الداخلية مثل مستوى الطاقة، الحالة المزاجية، أو إشارات جسدك؟.
تخيل آخر قرار اتخذته بشأن صحتك: هل كان بناءً على فهم عميق لاحتياجاتك الحقيقية، أم مجرد استجابة لضغط خارجي أو نصيحة عابرة؟ الاستشعار يمنحك القدرة على رؤية الصورة الكاملة، ليس فقط ما هو ظاهر، بل أيضاً ما هو مضمور، واتخاذ القرار بوعي وثقة. الأمر يشبه قيادة سيارة في ضباب كثيف؛ لا يكفي الاعتماد على الطريق أمامك فقط، بل تحتاج لاستشعار ما حولك والانتباه للتفاصيل الصغيرة التي قد تُحدث فرقاً كبيراً.
المبادرة (Engaging)
في عالم الأعمال، تعني المبادرة القدرة على إشراك الفرق المختلفة، بناء شبكات تواصل قوية، وتحفيز الموظفين لتحقيق الأهداف المشتركة. الشركات الناجحة لا تعمل بمعزل عن الآخرين؛ فهي تتفاعل مع أصحاب المصلحة، وتستفيد من وجهات نظر متعددة لتعزيز الابتكار.
في حياتك اليومية المبادرة ليست فقط عن اتخاذ القرار، بل يتعلق الأمر بكيفية تفاعلك مع من حولك: عائلتك، أصدقائك، وحتى نفسك. في المجتمعات العربية، حيث تلعب العائلة دوراً محورياً في الحياة اليومية، يصبح الحديث عن أهدافك الصحية خطوة ضرورية. مشاركة أهدافك مع من تثق بهم ليست علامة على الضعف، بل هي دعوة للدعم والمساندة. الأمر يشبه لعبك في فريق رياضي؛ حتى لو كنت أفضل لاعب، لن تفوز بالمباراة بمفردك. عندما يشعر من حولك بأنهم جزء من رحلتك، يصبح التغيير أكثر سلاسة وأقل عزلة، ويساعد في خلق بيئة داعمة تعزز فرص نجاحك.
التمكين (Empowering)
يُعتبر التمكين استراتيجية أساسية لزيادة إنتاجية الفرق وتعزيز الإبداع في بيئة الشركات. يتمثل ذلك في منح الموظفين الصلاحيات لاتخاذ قرارات مستقلة، وتشجيعهم على تطوير مهاراتهم، مما يؤدي إلى رفع مستوى الالتزام والثقة بالنفس.
أما على المستوى الشخصي، فالتمكين ليس مجرد منح الثقة للآخرين، بل هو القدرة على منح نفسك الإذن بالفشل والتعلم. نحن غالباً ما نخشى الفشل لأنه يُنظر إليه كعلامة ضعف، لكن الحقيقة أن الفشل هو أعظم معلم.
فكر في تجربة شخصية فشلت فيها: ربما حاولت تغيير جانب من حياتك ولم تنجح. هل كان هذا نهاية الطريق؟ أم كان بداية لفهم أعمق لما يناسبك؟ التمكين يعني أن تحتضن هذه اللحظات، لا كإخفاقات، بل كفرص للنمو وفهم ما الذي لم يعمل وكيف يمكنك تحسين استراتيجيتك. تخيل أنك خبزت كعكة للمرة الأولى وأحرقتها. هذا لا يعني أنك فشلت في المطبخ، بل أنك اكتشفت درساً صغيراً يجعل محاولتك التالية أفضل. الفشل ليس نهاية الطريق، بل خطوة نحو النجاح.
التطور (Developing)
التطور ليس رفاهية بل ضرورة! تعتمد المؤسسات الناجحة على برامج تطوير مهني مستمرة لضمان بقاء موظفيها على اطلاع بأحدث المهارات والمعلومات. هذا الاستثمار في النمو الشخصي يعزز من القدرة التنافسية والاستجابة للتغيرات السريعة في السوق.
على الصعيد الشخصي، التطور هو رحلة لا تنتهي. إنه السعي المستمر لتصبح نسخة أفضل من نفسك. لا يتعلق الأمر فقط بإضافة مهارات جديدة، بل بفهم عميق لنفسك واكتشاف اهتمامات جديدة تضيف قيمة لحياتك وتمنحك شعوراً بالتجدد المستمر. يشبه الأمر تعلم ركوب الدراجة؛ في البداية قد تسقط عدة مرات، لكن مع كل محاولة جديدة، لا تكتسب فقط توازنك، بل تبني ثقتك بنفسك وتشعر بإنجاز صغير يجعلك تستمر.
التطور يعني أيضاً إعادة تعريف النجاح. ربما بدأت بهدف إتقان ركوب الدراجة، لكنك اكتشفت أن الشعور بالحرية والثقة أثناء القيادة هو الأهم. هذا الإدراك هو بحد ذاته تطور.
الاستدامة (Sustaining)
في عالم الشركات، لا تقتصر الاستدامة على الحفاظ على النجاح، بل تشمل القدرة على التكيف مع التغيرات المستمرة في الأسواق والبيئة الاقتصادية. الشركات التي تزدهر على المدى الطويل هي تلك التي تطور استراتيجيات مرنة تُمكنها من مواجهة الأزمات والتغيرات المفاجئة دون فقدان هويتها أو قيمها الأساسية.
بنفس الطريقة،تتطلب الاستدامة الشخصية القدرة على التكيف مع تغيرات الحياة. قد تمر بفترات ضغط نفسي، تغييرات في الروتين اليومي، أو تحديات صحية، ولكن قدرتك على تعديل عاداتك لتناسب هذه التغيرات دون فقدان جوهر أهدافك الصحية هو مايجعل نمط حياتك مستداماً. هل ستظل عاداتك مرنة وقوية بما يكفي لتواكب تقلبات الحياة؟ مثلما تُعيد الشركات تقييم استراتيجياتها لضمان استمرارية النجاح، يمكنك أنت أيضاً مراجعة عاداتك وتطويرها لتتماشى مع مراحل حياتك المختلفة.
تخيل نفسك بعد سنوات من الآن، تنظر إلى الوراء وتدرك أن العادات الصحية التي تبنيتها لم تكن مجرد مرحلة عابرة، بل كانت اللبنة الأساسية لحياتك المتوازنة. هذا هو جوهر الاستدامة: بناء حياة تتماشى مع قيمك وأهدافك.
التغيير أم التحول؟
قبل أن نختتم هذا المقال، دعونا نتأمل كيف أن مبادئ SEEDS لا تُعزز فقط إدارة الشركات، بل تنطبق أيضاً على حياتنا الشخصية. الاستشعار يمنحك القدرة على فهم احتياجاتك الحقيقية، والمبادرة تخلق روابط تعزز نجاحك، بينما التمكين يساعدك على احتضان الفشل كجزء من عملية النمو. التطور يحثك على السعي المستمر نحو تحسين الذات، والاستدامة تضمن أن تصبح هذه العادات جزءاً أصيلاً من حياتك اليومية. معاً، تشكل هذه الأعمدة خريطة طريق لتحول حقيقي ومستدام في حياتك.
في نهاية المطاف، سواء كنت تدير شركة أو تدير حياتك، لا يكفي إجراء تغييرات سطحية. التغيير الحقيقي ليس مجرد تعديل سلوك، بل هو تحول في طريقة التفكير والعيش. عندما تقرر تغيير عادة، لا تفكر فقط فيما ستتوقف عن فعله، بل فكر في الشخص الذي تريد أن تصبح عليه نتيجة لهذا التغيير.
ابدأ اليوم بخطوة صغيرة نحو الشخص الذي تطمح أن تكون عليه. هذا هو جوهر التحول الحقيقي: ليس مجرد هدف تصل إليه، بل رحلة تعيشها وتتعلم منها في كل خطوة.

Leave a reply to Mohamed Cancel reply